ابن قيم الجوزية

88

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

قالوا : ويدل عليه الوزن . فلو لا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضائها لها ، وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى . وقد قال تعالى : 7 : 8 ، 9 وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ . وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل . وبينهما أعظم التباين . فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة ، وجوزت أن يعذب اللّه من أفنى عمره في طاعته ، وينعم من أفنى عمره في معصيته . وكرهما بالنسبة إليه سواء ، وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم عملا منه ، وأكثر وأفضل درجات . والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة ، من غير تعليل ولا سبب ، ولا حكمة تقتضي هذا بالثواب ، وهذا بالعقاب . والقدرية أوجبت عليه رعاية الأصلح . وجعلت كله بمحض الأعمال وثمنا لها ، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله تنغيص باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن . فقاتلهم اللّه ما أجهلهم باللّه وأغرّهم به ، جعلوا تفضله وإحسانه إلى العبد على العبد ، حتى قالوا : إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل . فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة . ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة . والطائفتان جائرتان ، منحرفتان عن الصراط المستقيم ، الذي فطر اللّه عليه عباده ، وجاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب . وهو أن الأعمال : أسباب موصلة إلى أثواب والعقاب . مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، وأن الأعمال الصالحة من توفيق اللّه وفضله ومنّه ، وصدقته على عبده ، إن أعانه عليها ووفقه لها ، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها ، وحبّبها إليه ، وزينها في قلبه وكرّه إليه أضدادها ، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ، ولا هي على قدرة ،